الدور المحوري للشباب الأردني في صون الأمن والسلام: منظور من عجلون حول قرار مجلس الأمن 2250
بقلم: عبد الرحمن محمد الصمادي – باحث وناشط في شؤون الشباب والسلام والأمن.
يُعد الأمن والسلم الدوليان ركيزتين أساسيتين للحضارة الإنسانية، وفي خضم التحولات الجيوسياسية المعقدة، برزت قناعة راسخة على المستوى العالمي بأن هذه الركائز لا يمكن أن تتحقق دون إدماج فعّال وممنهج للقطاع الشبابي. هذه القناعة تجسدت في قرار تاريخي غير مسبوق هو قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2250 لعام 2015، المتعلق بالشباب والسلام والأمن.
هذا القرار لم يأتِ ليكون مجرد توصية دبلوماسية، بل هو إطار عمل ملزم وضرورة استراتيجية تهدف إلى إعادة تعريف العلاقة بين الشباب وبنية الأمن العالمي. إنه يقر صراحة بأن الشباب (الذين يشكلون النسبة الأكبر من سكان العالم) هم قوة دافعة للتغيير الإيجابي، وأن تهميشهم يمثل خطرًا أمنيًا يزيد من حدة النزاعات والتطرف.
أولًا: قرار 2250: تأطير دولي لمشاركة الشباب
يُمثل القرار 2250 وثيقة محورية في القانون الدولي، حيث أنه يركز لأول مرة بشكل كامل على دور الشباب في حفظ وبناء السلام. إنه يقوم على خمسة محاور استراتيجية متكاملة تشكل دعامة لأي استراتيجية وطنية وإقليمية في هذا المجال:
المشاركة (Participation): الدعوة الصريحة لتمثيل الشباب في عمليات صنع القرار، بدءاً من لجان الحوار الوطني وصولاً إلى مفاوضات السلام رفيعة المستوى. هذا المحور يؤكد على أن المشاركة ليست حقاً ترفيهياً بل متطلب أمني.
الوقاية (Prevention): إشراك الشباب كعناصر فاعلة في جهود منع الصراعات والتطرف العنيف، من خلال معالجة الأسباب الجذرية التي تدفع للتهميش، كالفقر والبطالة وعدم المساواة.
الحماية (Protection): ضمان حماية حقوق الشباب في مناطق النزاع، لا سيما أولئك الذين يعملون في مجال بناء السلام والدفاع عن حقوق الإنسان.
الشراكات (Partnerships): تعزيز التعاون المستدام بين الشباب والحكومات والمجتمع المدني والمنظمات الإقليمية لتبادل الخبرات وتنسيق الجهود.
سحب السلاح وإعادة الإدماج (Disengagement and Reintegration): توفير الدعم اللازم للشباب الذين يقررون مغادرة الجماعات المسلحة، لضمان دمجهم الاجتماعي والاقتصادي بشكل فعال ومستدام.
إن هذه المحاور تشكل معًا خارطة طريق دولية لتسخير طاقات الشباب وتحويلها من طاقة كامنة إلى قوة فاعلة في الحفاظ على الاستقرار.
ثانيًا: الأردن والالتزام بالقرار: السياق الوطني
يأتي الأردن في طليعة الدول التي تدرك أهمية الاستثمار في الشباب. فالديموغرافيا الأردنية شابة بامتياز، مما يضع المملكة أمام مسؤولية مزدوجة: استثمار هذه الطاقة الهائلة وتوجيهها نحو البناء. إن تبني الأردن لاستراتيجيات وطنية للشباب، وتوجيهات القيادة الهاشمية لتمكينهم، يتقاطع بشكل مباشر مع روح القرار 2250.
إن تفعيل القرار في الأردن يتطلب الانتقال من مجرد التشجيع إلى التضمين المؤسسي، حيث يصبح دور الشباب في لجان السلام والأمن، والحوارات الاستراتيجية، ولجان التخطيط الوطني، أمرًا إلزاميًا وليس اختيارياً. فالاستقرار الإقليمي والأمن الوطني للأردن يتطلبان إشراك هذه الشريحة في مواجهة تحديات كبرى كأزمة اللجوء، ومكافحة الجريمة السيبرانية، والتطرف الفكري.
ثالثًا: عجلون والبعد الأخضر لـ 2250: الأمن التنموي
من محافظة عجلون، ذات الطبيعة الخضراء والإرث التاريخي العريق، يمكن تقديم نموذج عملي لترجمة محاور القرار 2250 على المستوى المحلي. عجلون، بكونها رئة الأردن البيئية، تُظهر أن مفهوم الأمن والسلام يتجاوز البعد العسكري إلى الأمن التنموي والبيئي:
الوقاية من الصراع البيئي (Prevention): يمكن لشباب عجلون أن يكونوا الحراس الأوائل للأمن البيئي. المشاركة في إدارة الموارد المائية والطاقة المستدامة والسياحة البيئية المسؤولة هي جهود وقائية تمنع التنافس على الموارد المحدودة، وهو أحد المسببات الجذرية للنزاعات في المستقبل.
بناء الشراكات الاقتصادية (Partnerships): يمكن تحويل التحدي الاقتصادي في المحافظة إلى فرص من خلال دعم المشاريع الريادية الشبابية التي تركز على القيمة المضافة لمنتجات عجلون الطبيعية (الزيتون، العسل، المنتجات الحرفية). هذا الاستثمار الاقتصادي هو لبنة أساسية في بناء سلام مجتمعي مستدام.
المشاركة في التخطيط المحلي (Participation): يتوجب إدماج الشباب من أمثالنا – أبناء هذه الأرض – في مجالس المحافظات والبلديات بشكل يضمن أن تكون قرارات التخطيط والتنمية قائمة على فهم عميق لاحتياجاتهم وتطلعاتهم الأمنية والاقتصادية.
إن ربط الشباب بالبيئة والموارد في عجلون يجسد مفهوم الأمن الإنساني الذي دعا إليه القرار 2250، حيث يصبح الأمن ليس فقط حماية الحدود، بل حماية سبل العيش والمستقبل.
خاتمة: نحو تفعيل الالتزام
إن قرار مجلس الأمن 2250 هو فرصة استثنائية لمراجعة الاستراتيجيات الوطنية ورفع سقف تطلعات الشباب. إنه دعوة صريحة للحكومات والمؤسسات الدولية لـ الاستثمار في جيل يقدر على قيادة المستقبل.
بصفتي مواطنًا من عجلون، أؤكد أن شباب الأردن مستعدون لتحمل مسؤولية الشراكة في صناعة الأمن والسلام، شريطة أن تُتاح لهم الأدوات والمنصات اللازمة. إن الوفاء بمتطلبات القرار 2250 ليس عملاً خيرياً، بل هو استراتيجية حكيمة ومسؤولية تاريخية لضمان استقرار وازدهار المنطقة.
🗣️ إخلاء المسؤولية: "إن محتوى هذا المنشور هو ضمن مسؤولية كتاب المدونة او المقال ولا يعكس بالضرورة موقف مركز وسطاء التغيير للتنمية المستدامة واذاعة صوت عجلون المجتمعية. جميع الحقوق محفوظة © يحظر استخدام أي جزء من محتوى هذا الموقع أو نسخه أو إعادة نشره أو نقله، كليًا أو جزئيًا، بأي وسيلة كانت، دون الحصول على إذن خطي مسبق من مركز وسطاء التغيير للتنمية المستدامة و/أو إذاعة صوت عجلون المجتمعية، وتحت طائلة المساءلة القانونية. ويُستثنى من ذلك الاستخدام الذي يتضمن الإشارة الصريحة والواضحة إلى المصدر.

Comments are closed