الجيل المحروم: الحق في الفرصة والكرامة والمشاركة
كتب المدير التنفيذي لمركز وسطاء التغيير للتنمية المستدامة وإذاعة صوت عجلون المجتمعية، صهيب احمد ربابعه، هذا المقال بمناسبة اليوم الدولي للشباب، مقدّمًا قراءة حقوقية وتنموية في واقع الشباب الأردني، ومقاربًا بين الرسائل الأممية حول حقوق الشباب ومشاركتهم وبين التحديات التي يواجهها الشباب في السياق الأردني، ولا سيما في المجتمعات الريفية والمهمشة، من منظور العدالة الاجتماعية والحق في الفرصة والكرامة والمشاركة.
في اليوم الدولي للشباب، من السهل أن نكرر العبارات التي تصف الشباب بأنهم قادة المستقبل، وصنّاع التغيير، ومحرك التنمية، لكن الأصعب والأكثر مسؤولية أن نسأل: أي مستقبل نطلب من الشباب أن يقودوه إذا كان جزء منهم لا يمتلك أصلًا فرصة عادلة للوصول إليه؟ يقول الأمين العام للأمم المتحدة إن الشباب يتصدرون المسيرة بالفعل بوصفهم منظِّمين ومبتكرين، وإن المضي قدمًا يتطلب إتاحة المهارات التي ستشكّل المستقبل لهم، من التفكير النقدي وحل المشكلات إلى الدراية الرقمية. لكنني أعتقد أن المسألة تتجاوز المهارات وحدها؛ فلا يمكن أن نعلّم الشاب التفكير النقدي، ثم نضيّق المساحة أمام صوته عندما ينتقد، ولا أن ندعوه إلى المشاركة، ثم نحصر دوره في الحضور الشكلي، ولا أن نحدثه عن الابتكار وريادة الأعمال بينما لا يمتلك وصولًا عادلًا إلى التمويل والتكنولوجيا وشبكات الفرص.
قضية الشباب اليوم هي، قبل كل شيء، قضية حقوق وعدالة اجتماعية وكرامة إنسانية. وفي الأردن، نحن بحاجة إلى الانتقال من مقاربة الرعاية إلى المقاربة القائمة على حقوق الإنسان، بحيث لا يُنظر إلى الشباب بوصفهم مستفيدين ينتظرون برنامجًا أو تدريبًا أو منحة، بل بوصفهم أصحاب حقوق وشركاء في التنمية وصناعة القرار. فالحق في التعليم، والعمل اللائق، والمشاركة في الشأن العام، وحرية التعبير والتنظيم، والوصول إلى المعلومات والمعرفة والتكنولوجيا، ليست امتيازات تُمنح للشباب عندما تسمح الظروف، بل هي مكونات أساسية للمواطنة والكرامة الإنسانية.
ارى أننا أمام ما يمكن وصفه بـ«الجيل المحروم»، ليس لأنه أقل قدرة أو طموحًا، بل لأنه وجد نفسه أمام تحولات اقتصادية واجتماعية وتكنولوجية كبيرة، دون أن يحصل دائمًا على الأدوات والفرص والحماية الاجتماعية التي تمكّنه من التعامل معها. هناك شباب أنهوا تعليمهم وانتظروا سنوات بحثًا عن عمل، وشباب اضطروا إلى قبول أعمال لا توفر لهم الاستقرار أو الأجر العادل، وشباب امتلكوا الأفكار ولم يمتلكوا رأس المال أو العلاقات التي تنقل الفكرة إلى مشروع، وشباب ينظرون إلى الهجرة باعتبارها طريقًا للخلاص من انسداد الأفق. والأخطر من البطالة نفسها أن يفقد جيل كامل ثقته بأن الاجتهاد والتعليم والمبادرة يمكن أن تقوده إلى حياة أفضل.
وفي المجتمعات الريفية والأطراف، تتضاعف هذه المعاناة. فمكان ولادة الإنسان يجب ألا يتحول إلى عامل يحدد سقف مستقبله، ولا يجوز أن تكون المسافة بين القرية والعاصمة هي المسافة نفسها بين الشاب والفرصة. يواجه شباب الريف، في كثير من الأحيان، فرص تدريب أقل، ووسائل نقل أضعف، وعددًا أقل من الشركات وحاضنات الأعمال، وشبكات علاقات أضيق، وفرصًا محدودة للوصول المباشر إلى المؤسسات وصنّاع القرار. وعندما نتعامل بالطريقة نفسها مع شباب يبدأون من نقاط غير متساوية، فإننا لا نحقق العدالة، بل نعيد إنتاج عدم المساواة. لذلك، فإن تنمية المجتمعات الريفية هي قضية عدالة مكانية وعدالة تنموية قبل أن تكون مجرد مسألة خدمات.
كما أن العمل ليس راتبًا فقط، بل هو استقلال وكرامة وأمان وقدرة على بناء المستقبل. ولهذا، يجب أن يكون مفهوم العمل اللائق في صميم أي سياسة شبابية؛ لأن توفير أي وظيفة لا يكفي إذا لم تتوافر فيها الحقوق العمالية، والحماية الاجتماعية، والأجر العادل، وفرص التطور. فالبطالة والتهميش الاقتصادي ليسا مجرد مشكلتين فرديتين مرتبطتين بقدرة الشاب على الاجتهاد، بل تحديان هيكليان يتطلبان سياسات عامة أكثر عدالة في التعليم والتشغيل والحماية الاجتماعية والتنمية المحلية.
ولا يمكن الحديث عن الشباب من دون التوقف عند الشباب المدافعين عن حقوق الإنسان، والناشطين، والصحفيين، والإعلاميين، والمبادرين المجتمعيين، وأعضاء منظمات المجتمع المدني. هؤلاء يمثلون رأس مال اجتماعيًا ينبغي حمايته لا التضييق عليه. فالشاب الذي يدافع عن حقوق النساء، أو الأشخاص ذوي الإعاقة، أو العمال، أو الفقراء، أو البيئة، أو الشفافية، أو حرية التعبير، ليس خصمًا للدولة، بل شريك في تحسين المجتمع وتعزيز المساءلة. والشاب الذي ينتقد سياسة عامة لا يقف بالضرورة ضد وطنه؛ فقد يكون نقده أحد أكثر أشكال المواطنة مسؤولية. فالمواطنة ليست ولاءً صامتًا، والديمقراطية لا تُقاس بعدد الأصوات التي توافقنا، بل بقدرتنا على حماية حق الأصوات التي تختلف معنا.
إن حماية المدافعين عن حقوق الإنسان، وضمان الحيز المدني الآمن، وحرية التعبير والتنظيم، والوصول إلى المعلومات، ليست ملفات منفصلة عن التنمية. فلا توجد تنمية مستدامة في مجتمع يخشى شبابه السؤال، ولا يوجد ابتكار دون حرية التفكير، ولا توجد مساءلة دون إعلام مستقل ومجتمع مدني قادر على العمل. ولذلك، فإن حماية الشباب المدافعين عن حقوق الإنسان هي، في جوهرها، حماية للمجال العام، وللتعددية، ولقدرة المجتمع على تصحيح أخطائه بصورة سلمية.
وفي الوقت ذاته، علينا مراجعة مفهوم مشاركة الشباب. فليس كل حضور مشاركة، وليس كل مؤتمر تمكينًا، وليست كل صورة جماعية دليلًا على أن الشباب أصبحوا شركاء في صناعة القرار. المشاركة الحقيقية تعني أن يكون للشباب تأثير فعلي في القرارات التي تمس حياتهم، وأن يكونوا داخل الأحزاب والمجالس والمؤسسات والمجتمع المدني، وفي عمليات صناعة السياسات، لا مجرد جمهور أو مستفيدين أو متدربين. والأهم أن تصل هذه المشاركة إلى من لا تصل أصواتهم عادة إلى طاولة الحوار وصناعة القرار: شباب القرى، والشابات، والأشخاص ذوو الإعاقة، والشباب الفقراء، والمتعطلون عن العمل، ومن انقطعوا عن التعليم، ومن لا يمتلكون نفوذًا أو شبكات علاقات.
كما علينا أن نعيد تعريف الفقر الذي يواجه الشباب؛ فهناك فقر في الفرص، وفقر في الوصول، وفقر رقمي ومعرفي، وفقر في شبكات العلاقات، وفقر في المشاركة السياسية، وفقر في الشعور بالأمان تجاه المستقبل. وهذه الأشكال المتداخلة من الحرمان يمكن أن تنتج جيلًا يشعر بأنه موجود في وطنه، لكنه يقف على هامش الفرص داخله. وهنا تظهر المسؤولية الأخلاقية للدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني والأحزاب والجامعات والإعلام. المطلوب ليس أن نقدم للشباب الشفقة، بل العدالة؛ وليس أن نقول للشاب المهمش: «سنساعدك»، بل أن نزيل الحواجز التي منعته من الوصول إلى حقه.
بعد سنوات من العمل مع الشباب والمجتمعات المحلية، أصبحت مقتنعًا بأننا بحاجة إلى تغيير الطريقة التي نقيس بها نجاحنا. لا يكفي أن نقول إن مشروعًا ما درّب مئات الشباب، بل يجب أن نسأل: ماذا تغيّر في حياتهم بعد التدريب؟ وكم منهم حصل على عمل لائق؟ وكم شابة استطاعت الوصول إلى الاستقلال الاقتصادي؟ وكم مشروعًا شبابيًا استمر بعد انتهاء التمويل؟ وكم شابًا من قرية بعيدة أصبح قادرًا على المنافسة في الاقتصاد الرقمي؟ وكم شابًا مهمشًا استعاد ثقته بنفسه وبالمجتمع؟ فالتنمية ليست أرقامًا في التقارير، بل تغيير حقيقي في حياة الإنسان.
وفي اليوم الدولي للشباب، لا يكفي أن نقول إن الشباب هم المستقبل؛ فالشباب هم الحاضر، ولهم اليوم الحق في العمل والتعليم والمشاركة والحماية الاجتماعية وحرية التعبير والتنظيم والوصول إلى المعرفة والعدالة. ولشباب الريف والأطراف والمجتمعات المهمشة الحق في نصيب عادل من التنمية الوطنية، وللشباب المدافعين عن حقوق الإنسان الحق في فضاء مدني آمن يستطيعون داخله أن يتحدثوا وينظموا وينتقدوا ويقترحوا دون خوف، ولكل شاب الحق في أن يشعر بأن كرامته مصانة، وأن صوته له قيمة، وأن مستقبله لا تحدده الجغرافيا أو الفقر أو الواسطة أو شبكة العلاقات.
لذلك، ربما يكون السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم ليس فقط: ماذا قدم الشباب لأوطانهم؟ بل أيضًا: هل بنينا أوطانًا تمنح شبابها فرصة عادلة كي يقدموا أفضل ما لديهم؟ إن العدالة مع الشباب ليست منحة، وتمكينهم ليس مشروعًا مؤقتًا، ومشاركتهم ليست ديكورًا، وحقوقهم ليست موضوعًا قابلًا للتأجيل؛ إنها التزام حقوقي، واستحقاق تنموي، ومسؤولية أخلاقية، وشرط أساسي للاستقرار والديمقراطية والتنمية المستدامة. والجيل المحروم ليس جيلًا عاجزًا، بل جيل يمتلك القدرة ويطالب بحقه العادل في الفرصة.
🗣️ إخلاء المسؤولية: "إن محتوى هذا المنشور هو ضمن مسؤولية كتاب المدونة او المقال ولا يعكس بالضرورة موقف مركز وسطاء التغيير للتنمية المستدامة واذاعة صوت عجلون المجتمعية. جميع الحقوق محفوظة © يحظر استخدام أي جزء من محتوى هذا الموقع أو نسخه أو إعادة نشره أو نقله، كليًا أو جزئيًا، بأي وسيلة كانت، دون الحصول على إذن خطي مسبق من مركز وسطاء التغيير للتنمية المستدامة و/أو إذاعة صوت عجلون المجتمعية، وتحت طائلة المساءلة القانونية. ويُستثنى من ذلك الاستخدام الذي يتضمن الإشارة الصريحة والواضحة إلى المصدر.

Comments are closed