المراقبة الرقمية بين الأمن والحرية
كتب المدير التنفيذي لمركز وسطاء التغيير للتنمية المستدامة
إذاعة صوت عجلون المجتمعية صهيب احمد ربابعه هذا المقال كقراءة في تقرير الأمم المتحدة ومقارنة بالسياق الأردني.
يشهد العالم اليوم تحولًا غير مسبوق في طبيعة العلاقة بين الدولة والمواطن نتيجة التطور الهائل في تقنيات المراقبة الرقمية والذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة. وبينما تؤكد الحكومات أن هذه الأدوات أصبحت ضرورة لمواجهة الإرهاب والجريمة الإلكترونية وتعزيز الأمن الوطني، تتزايد التحذيرات الدولية من تحولها إلى أدوات لتقييد الحقوق والحريات المدنية وتقليص المساحات الديمقراطية.
وفي هذا السياق، ناقش مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في دورته الثانية والستين تقرير المقرر الخاص المعنون “كشف الآثار المثبطة لمنظومة المراقبة الرقمية على حرية التجمع وتكوين الجمعيات”، والذي يحذر من أن المراقبة الرقمية لم تعد مجرد إجراءات استثنائية، بل أصبحت في كثير من الدول ممارسة اعتيادية تؤثر بصورة مباشرة على حرية الأفراد في التنظيم والتعبير والمشاركة المدنية.
حيث يشير التقرير إلى أن أخطر ما يواجه العالم اليوم ليس وجود تقنيات المراقبة بحد ذاتها، وإنما تطبيع استخدامها حتى أصبحت جزءًا من الممارسات اليومية لأجهزة إنفاذ القانون، وغالبًا تحت مبررات فضفاضة تتعلق بالأمن الوطني أو مكافحة الإرهاب أو الجرائم الإلكترونية.
ويحذر التقرير من عدة اتجاهات مقلقة، أبرزها: توسع عمليات جمع البيانات الشخصية دون رقابة قضائية فعالة، استخدام تقنيات التعرف على الوجوه والذكاء الاصطناعي في مراقبة الفضاء العام، مراقبة النشطاء والصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، خلق ما يعرف بـ”الأثر المُثبط” (Chilling Effect)، حيث يمتنع الأفراد عن ممارسة حقوقهم خوفًا من المراقبة أو الملاحقة، وتآكل الحق في حرية التجمع وتكوين الجمعيات والمشاركة العامة.
لا يرفض التقرير استخدام التكنولوجيا في حماية الأمن، لكنه يؤكد أن أي استخدام يجب أن يخضع لمبادئ الضرورة والتناسب والشرعية والرقابة القضائية والمساءلة وفق القانون الدولي لحقوق الإنسان.
إذا انتقلنا إلى السياق الأردني، نجد أن الأردن شهد خلال السنوات الأخيرة توسعًا واضحًا في التشريعات المتعلقة بالفضاء الرقمي، وعلى رأسها قانون الجرائم الإلكترونية لسنة 2023، والذي جاء في ظل تزايد الجرائم الإلكترونية وخطاب الكراهية والابتزاز الإلكتروني، وهي تحديات حقيقية تستوجب استجابة قانونية.
إلا أن القانون أثار كذلك نقاشًا واسعًا بين منظمات المجتمع المدني والحقوقيين والإعلاميين، خاصة فيما يتعلق ببعض النصوص التي اعتُبرت واسعة أو قابلة لتفسيرات متعددة، وهو ما قد يخلق مخاوف بشأن تأثيرها على حرية التعبير والعمل المدني.
ومن أبرز النقاط التي دار حولها النقاش: إمكانية استخدام بعض النصوص في التعامل مع المحتوى السياسي أو النقد العام، تأثير البيئة القانونية على الصحفيين والنشطاء وصناع المحتوى.
في المقابل، تؤكد الحكومة الأردنية أن القانون يستهدف مكافحة الابتزاز الإلكتروني، وخطاب الكراهية، والاحتيال الرقمي، وحماية الأمن المجتمعي، وأنه لا يستهدف تقييد حرية الرأي المكفولة دستوريًا.
وبين هذين الموقفين، يبقى التحدي الحقيقي هو كيفية تحقيق التوازن بين الأمن الرقمي وضمان الحقوق الأساسية. حيث أحد أهم الرسائل التي يبعثها التقرير الأممي يتمثل في أن حماية الأمن لا ينبغي أن تكون على حساب الحريات. فالتجارب الدولية تشير إلى أن الدول التي نجحت في مكافحة الجرائم الإلكترونية والإرهاب لم تعتمد فقط على توسيع صلاحيات المراقبة، بل بنت منظومات متكاملة تقوم على: استقلال القضاء، أوامر قضائية واضحة للمراقبة، رقابة برلمانية ومؤسسية، حماية البيانات الشخصية، شفافية استخدام تقنيات المراقبة، وإمكانية الطعن والمساءلة.
وبالنسبة للمجتمع المدني، لا يقتصر أثر المراقبة الرقمية على الخصوصية فقط، بل يمتد إلى قدرة المؤسسات على العمل بحرية. فالخوف من مراقبة الاتصالات أو الاجتماعات أو الحملات الرقمية قد يدفع بعض الأفراد إلى:
- تقليل المشاركة في الأنشطة العامة.
- الامتناع عن الانضمام للجمعيات.
- الحد من النقاشات السياسية.
- تقليص العمل التطوعي.
- تجنب التعبير عن الرأي في القضايا العامة.
وهذا ما يسميه التقرير الأممي “الأثر المُثبط”، أي أن الخوف وحده يصبح كافيًا لتقليص المشاركة المجتمعية حتى دون وجود إجراءات مباشرة ضد الأفراد.
الأردن من الدول التي تسعى إلى تسريع التحول الرقمي، وتعزيز الخدمات الإلكترونية، وتطوير الاقتصاد الرقمي، وهو توجه مهم للتنمية، لكن نجاح هذا التحول يتطلب بالتوازي:
- تعزيز قوانين حماية البيانات الشخصية.
- ترسيخ مبادئ الحوكمة الرقمية.
- رفع الشفافية في استخدام أدوات المراقبة.
- بناء ثقة المواطنين بالمؤسسات.
- ضمان ألا تؤدي التشريعات إلى تقييد غير مبرر للمساحات المدنية أو الإعلامية.
من خلال خبرتنا في مركز وسطاء التغيير للتنمية المستدامة وإذاعة صوت عجلون، نرى أن العدالة الرقمية أصبحت اليوم امتدادًا طبيعيًا لحقوق الإنسان، خصوصًا في المجتمعات الريفية والمهمشة التي تواجه فجوات متزايدة في الوصول إلى التكنولوجيا والمشاركة الرقمية.
ويبقى السؤال الأهم: كيف نبني منظومة رقمية تعزز الأمن وتحمي المجتمع، دون أن تتحول إلى مصدر لتقييد الحريات؟
إن الإجابة عن هذا السؤال يتطلب تنفيذ اصلاحات جوهرية على قانون الجرائم الاكترونية للمساهمة في تحديد شكل العلاقة بين الدولة والمواطن في العصر الرقمي، وتعزيز مستقبل قائم على الثقة، المشاركة، الديمقراطية، والتنمية الشاملة في السنوات القادمة.
#الحريات #العدالة_الرقمي
🗣️ إخلاء المسؤولية: "إن محتوى هذا المنشور هو ضمن مسؤولية كتاب المدونة او المقال ولا يعكس بالضرورة موقف مركز وسطاء التغيير للتنمية المستدامة واذاعة صوت عجلون المجتمعية. جميع الحقوق محفوظة © يحظر استخدام أي جزء من محتوى هذا الموقع أو نسخه أو إعادة نشره أو نقله، كليًا أو جزئيًا، بأي وسيلة كانت، دون الحصول على إذن خطي مسبق من مركز وسطاء التغيير للتنمية المستدامة و/أو إذاعة صوت عجلون المجتمعية، وتحت طائلة المساءلة القانونية. ويُستثنى من ذلك الاستخدام الذي يتضمن الإشارة الصريحة والواضحة إلى المصدر.

Comments are closed